الليرة التركية تتعرض رهاناتها الرابحة لاختبار صعب مع تحول صدمة النفط إلى تهديد مباشر للعملة وحسابات المستثمرين في تجارة العائد. بنوك عالمية مثل بنك أوف أميركا وباركليز تخلت مؤخرًا عن مراكزها المتفائلة تجاه الليرة في إشارة لا تبدو عابرة. الحرب الإيرانية دخلت شهرها الثالث وفاتورة الطاقة التركية بدأت تتحول من عامل ضغط تقليدي إلى خطر قادر على كسر واحدة من أشهر صفقات الأسواق الناشئة خلال السنوات الأخيرة.
ظلت تجارة العائد على الليرة التركية صفقة مغرية لنحو ثلاثة أعوام. المستثمرون يقترضون بعملات منخفضة العائد ثم يضخون الأموال في أصول تركية ذات فائدة مرتفعة. المعادلة نجحت طالما ظل هبوط الليرة بطيئًا وتحت السيطرة. حققت الاستراتيجية عوائد بلغت 18.5% العام الماضي و30% في 2024 بفضل أسعار الفائدة المرتفعة وتباطؤ التضخم. لكن السوق لا يخشى الهبوط التدريجي للعملة بقدر ما يخشى لحظة الانزلاق السريع. الخطر الآن أن تتراجع الليرة بوتيرة أعنف في نفس الوقت الذي يعود فيه التضخم للصعود بفعل النفط. هنا تبدأ أرباح تجارة العائد في التآكل بسرعة.
كيف تضغط أسعار النفط على الليرة التركية واقتصاد تركيا؟
المشكلة تبدأ من النفط ولا تتوقف عنده. ارتفاع الأسعار يرفع فاتورة الواردات التركية ويوسع عجز ميزان المدفوعات في بلد يعتمد بقوة على الطاقة المستوردة. البنك المركزي التركي دعم الليرة خلال الفترة الماضية عبر بيع ومبادلة الدولار والذهب لكن مساحة المناورة تضيق. الاحتياطيات الإجمالية تراجعت بنحو الثلث منذ بداية الحرب. عند هذه النقطة لا يصبح السؤال هل يستطيع البنك الدفاع عن العملة بل كم من الوقت يستطيع مواصلة الدفاع بنفس الكلفة.
نقلت وكالة بلومبرج عن فيليب فيلدينغ مدير المحافظ في فيدليتي إنترناشونال إنه يراقب تراجع احتياطيات البنك المركزي عن قرب. خفض انكشافه على الليرة مع اندلاع الحرب لكنه لم يخرج بالكامل لأن التدخلات المكثفة أبقت الصفقة مربحة. لكنه حذر بوضوح من أن بيع احتياطيات الدولار الأمريكي للدفاع عن الليرة قد يصبح غير قابل للاستمرار. إذا تسارع نزيف الاحتياطيات فقد تتجه محافظ أكبر إلى تقليص مراكزها. بالفعل بدأت مراكز تجارة العائد في الانحسار بنحو 10 مليارات دولار من ذروتها في مطلع 2026 وفق تقديرات مبنية على مراكز المشتقات لدى البنوك التركية.
البنوك العالمية تحذر من مخاطر الليرة التركية
التحذيرات المتتالية من المحللين لم تعد هامشية. ميخائيل ليلواشفيلي من بنك أوف أميركا وماريك راتشكو من باركليز خرجا من مراكزهما على الليرة التركية بينما خفض جيه بي مورغان انكشافه عليها. استراتيجيون في يو بي إس وكومرتس بنك حذروا بدورهم من المخاطر المحيطة بالعملة. قبل الحرب كان المستثمرون يبنون رهاناتهم على سيناريو مريح: التضخم يتباطأ والفائدة تتجه للخفض تدريجيًا والليرة تهبط تحت سيطرة البنك المركزي. صدمة النفط قلبت الصورة. التضخم السنوي سجل 32.4% في أبريل متجاوزًا التوقعات بينما تداول خام برنت فوق 103 دولارات للبرميل يوم الاثنين مع استمرار الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إطار إنهاء الحرب.
هذا الوضع يضرب قلب استراتيجية البنك المركزي التركي. السياسة الحالية تقوم على الحفاظ على ارتفاع حقيقي في قيمة الليرة التركية عبر السماح لها بالتراجع بوتيرة أبطأ من التضخم بهدف تثبيت توقعات الأسعار وجذب التدفقات الأجنبية. هذه السياسة تحتاج بيئة هادئة. صدمة نفطية وحرب طويلة وضغط على الاحتياطيات ليست بيئة هادئة. راتشكو أشار إلى أن الليرة ارتفعت بنحو 11% بالقيمة الحقيقية خلال العام الماضي لكنه يرى أن تحقيق مكاسب إضافية سيكون أصعب. رسالته للعملاء كانت واضحة: اتساع عجز الحساب الجاري يزيد احتمال اضطرار السلطات التركية إلى تعديل سياسة الهبوط التدريجي عبر السماح بتصحيح أكبر في قيمة العملة.
هل تستمر جاذبية تجارة العائد على الليرة؟
محافظ البنك المركزي التركي فاتح قرة خان حاول تهدئة المخاوف في تصريحاته الأخيرة حيث قال إن عجز الحساب الجاري كنسبة من الناتج السنوي سيظل دون متوسطاته التاريخية. وحتى الآن لا تزال الليرة التركية تحقق أرباحًا لمستثمري تجارة العائد بعائد بلغ 6.6% منذ بداية العام لتبقى بين أقوى صفقات الأسواق الناشئة. هذا ما يجعل الخروج منها صعبًا. العائد لا يزال حاضرًا لكن المخاطر أصبحت أكثر وضوحًا.
في نفس الوقت، عبر استراتيجيون في غولدمان ساكس ومورغان ستانلي عن تفاؤلهم، حيث يراهنوا على أن الفائدة المرتفعة ستبقي عوائد تجارة العائد قوية. هذا السيناريو يحتاج عاملًا حاسمًا: تهدئة قريبة بين الولايات المتحدة وإيران وانخفاض أسعار النفط. غيوم تريسكا الاستراتيجي في جينيرالي لإدارة الأصول يرى أن صناع السياسة في تركيا سيواصلون الدفاع عن العملة لأنهم لا يستطيعون تحمل هبوط حاد في الليرة. لذلك تبقى الصفقة جذابة على المدى القصير لكنها لم تعد الصفقة الهادئة التي عرفها المستثمرون. الآن أصبحت مربحة نعم لكنها مربوطة بسعر النفط وبسرعة استنزاف الاحتياطيات وبقرار سياسي خارج أنقرة.
يمكنك تداول العملات من خلال أفضل شركات الوساطة عبر أفضل موقع للكاش باك فوركس في الشرق الأوسط والموجود في الأسواق منذ 2010. والوكيل لأكبر شركات الوساطة.


