صدمة الطاقة في الشرق الأوسط لم تتحول حتى الآن، إلى أزمة كاملة داخل الأسواق العالمية. المخزونات المتاحة والناقلات التي غادرت الخليج قبل إغلاق مضيق هرمز منحت الاقتصاد العالمي هامشًا مؤقتًا للحركة، لكن هذا الهامش لا يبدو مفتوحًا إلى ما لا نهاية. الأسواق تعاملت مع الأزمة كأنها حدث يمكن احتواؤه لا كصدمة ممتدة، لذلك تحولت سريعًا من مخاوف الطاقة إلى أرباح الشركات وزخم الذكاء الاصطناعي.
هذا التحول ظهر بوضوح في أسهم التكنولوجيا الأمريكية. سهم إنفيديا قفز بنحو 5% خلال تعاملات الأربعاء 06 يونيو، وسط شهية مخاطرة أقوى وتفاؤل بأن المسار الدبلوماسي قد يمنع الأزمة من التحول إلى مواجهة أطول. لم يكن الصعود مرتبطًا بالسياسة فقط. المستثمرون وجدوا سببًا إضافيًا للشراء بعد شراكة إنفيديا مع كورنينغ لتعزيز قدرات التصنيع داخل الولايات المتحدة، إلى جانب صفقة سابقة مع البنتاغون تسمح باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في شبكاته. بحلول الساعة 11:30 صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع السهم بنسبة 5.1% ليتداول قرب 206.54 دولار.
صدمة الطاقة في الشرق الأوسط
تكمن المفارقة في عدم تحرك الأسواق وفق حجم الخطر (صدمة الطاقة في الشرق الأوسط)، بل وفق قدرت تلك الأسواق على تأجيل الاعتراف به. بعد نحو شهرين من واحدة من أكبر صدمات إمدادات الطاقة خلال العقود الأخيرة، ما زالت الأسهم العالمية تسجل مستويات قياسية جديدة. الاقتصاد الأمريكي نما بنسبة 2% في الربع الأول، والصين حققت نموًا بنسبة 5%، بينما اكتفت منطقة اليورو بنمو ضعيف عند 0.1%. هذه الأرقام منحت المستثمرين مبررًا للبقاء داخل السوق، خاصة مع استمرار أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى في تغذية قصة الذكاء الاصطناعي.
غير أن الجزء الأقل راحة في الصورة يأتي من سوق الطاقة نفسه. المخزونات التي امتصت الصدمة الأولى تتراجع تدريجيًا، وكل أسبوع إضافي من دون حل يجعل قدرة الاقتصاد العالمي على تجاهل الأزمة أضعف. تقديرات الاستراتيجيين تشير إلى أن مخزونات النفط قد تهبط خلال أسابيع إلى مستويات قريبة من قاع 2022، عندما فجّرت الحرب الأوكرانية اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة. بعض الأسواق الناشئة المستوردة للنفط والغاز بدأت بالفعل إجراءات إغلاق جزئي لترشيد الاستهلاك. الاقتصادات الكبرى لم تصل بعد إلى هذه المرحلة، لكنها لا تقف خارج دائرة الخطر.
النفط والغاز لا يضغطان على التضخم من باب أسعار الوقود فقط. التأثير يمتد إلى النقل والإنتاج وسلاسل الإمداد وحتى قرارات الإنفاق الاستهلاكي. لذلك تبدو البنوك المركزية أمام معادلة لا تحبها الأسواق: إما تأجيل خفض الفائدة لفترة أطول، أو المخاطرة بعودة موجة تضخمية يصعب احتواؤها. في الحالتين، لا يبدو أن رهانات التيسير النقدي السابقة ما زالت بنفس القوة.
صدمة الطاقة في الشرق الأوسط والسياسة النقدية
لهذا خفّض خبراء الاقتصاد توقعاتهم لمسار السياسة النقدية في الولايات المتحدة. السيناريو الحالي يميل إلى خفض واحد فقط للفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي خلال العام المقبل، بدلًا من خفضين كانا متوقعين في وقت سابق.
في هذا الشأن صرح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، ألبرتو موسالم، يوم الأربعاء، أن هناك “سيناريوهات معقولة” قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لفترة، وأضاف أن هناك أيضًا بعض السيناريوهات التي قد تؤدي إلى خفض أسعار الفائدة أو رفعها. وفي كلمته أمام المؤتمر السنوي لرابطة المصرفيين لعام 2026، قال موسالم إنه على الرغم من وجود مخاطر على كلا مهمتي الاحتياطي الفيدرالي، إلا أن هذه المخاطر تتجه نحو التضخم. أكد أن التضخم أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ 2%، وأن بلوغ هذا الهدف هو “أفضل ما يمكن أن يفعله الاحتياطي الفيدرالي لتحقيق النمو والتوظيف. كما ادعى رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس أن العوامل الإيجابية الحالية للاقتصاد الأمريكي.
تراجعت أيضًا توقعات نمو الاقتصاد الأمريكي مع ترجيح بقاء أسعار الطاقة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما قد يضغط على إنفاق الشركات والمستهلكين ويجعل النشاط الاقتصادي أقل مرونة مما تعكسه مؤشرات الأسهم حاليًا.
تفاؤل دبلوماسي أم شراء للوقت؟
لا تزال الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران قائمة بشأن مرور السفن عبر مضيق هرمز، بعد تصعيد عسكري متبادل يوم الاثنين وضع وقف إطلاق النار المستمر منذ أربعة أسابيع تحت اختبار حقيقي. رغم ذلك، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشبكة بي بي إس نيوز يوم الأربعاء إن التوصل إلى اتفاق مع إيران قبل زيارته المرتقبة إلى الصين الأسبوع المقبل لا يزال ممكنًا، مضيفًا أنه يشعر بالتفاؤل تجاه فرص الوصول إلى تفاهم جديد مع طهران.
تصريحات ترامب لم تكن تفاؤلًا خالصًا. الرجل قال إنه شعر بهذا التفاؤل من قبل، قبل أن تتعثر المحادثات. هذه الجملة وحدها تكشف أن واشنطن لا تراهن على اتفاق مضمون بقدر ما تراهن على نافذة سياسية قصيرة. ترامب أكد أن الولايات المتحدة لديها فرصة جيدة جدًا للتوصل إلى اتفاق مرة أخرى، لكنه أبقى التهديد قائمًا بوضوح حين قال إن فشل المسار الدبلوماسي سيعيد واشنطن إلى نهجها السابق في التعامل مع إيران.
كما أشار إلى أنه من غير المرجح إرسال المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف أو مستشاره غير الرسمي وصهره جاريد كوشنر إلى جولة محادثات جديدة، موضحًا أن المفاوضات يمكن أن تُستكمل داخل الولايات المتحدة، على أن يتم توقيع الاتفاق في مكان ما خلال الاجتماع الأخير. في المقابل، أكد أنه لا يعتزم طرح ملف الصراع الإيراني أو مساهمات الصين في دعم طهران خلال اجتماعه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، ما يوحي بمحاولة فصل الملف الإيراني عن حسابات زيارته إلى بكين.
الصورة النهائية حول صدمة الطاقة في الشرق الأوسط ليست تفاؤلًا كاملًا ولا أزمة منفلتة. هي أقرب إلى سوق يشتري الوقت. الذكاء الاصطناعي وأرباح التكنولوجيا يمنحان الأسهم قصة صعود جاهزة، والمخزونات تمنح الاقتصاد العالمي وسادة مؤقتة، والدبلوماسية تمنح المستثمرين سببًا لعدم البيع. لكن إذا استمر استنزاف الطاقة من دون اتفاق واضح، فقد تجد الأسواق نفسها أمام سؤال مختلف تمامًا: ليس هل يمكن احتواء الصدمة، بل كم بقي من الوقت قبل أن تظهر فاتورتها الحقيقية؟
يمكنك تداول النفط والسلع من خلال أفضل شركات الوساطة من خلال أفضل موقع للكاش باك فوركس في الشرق الأوسط.


