بورصة فوركسنبض السوق
متابعة السوق
الأسواق
تاسي
11٬100.74
آخر تحديث منذ 18 ساعة · بيانات متأخرة · -0.24%
الذهب
4٬326.63
RapidAPI · 2026-09-02T06:26:02.000Z · -0.04%
خام برنت
95.61
RapidAPI · 2026-09-02T06:25:05.759303 · +0.43%
S&P 500
7٬631.47
Oanor · 2026-09-01T20:45:36.000Z · -0.71%
Dow Jones
52٬766.88
Oanor · 2026-09-01T20:45:36.000Z · -0.79%
Nasdaq
26٬099.77
Oanor · 2026-09-01T21:15:59.000Z · -1.03%
DAX
25٬970.11
Oanor · 2026-09-01T16:00:00.000Z · -1.10%
FTSE 100
10٬789.28
Oanor · 2026-09-01T15:35:30.000Z · -0.32%
Nikkei 225
64٬366.80
Oanor · 2026-09-02T06:11:30.000Z · -2.79%
Hang Seng
25٬244.77
Oanor · 2026-09-02T06:11:34.000Z · -1.26%

إجراء أمريكي ضد فروع بنك مصر في الإمارات يفتح الملف.. كيف تصل إيران إلى الدولار رغم العقوبات؟

كيف تصل إيران إلى الدولار رغم العقوبات؟

كيف تصل إيران إلى الدولار رغم العقوبات؟ تبدأ الحكاية من ناقلة تحمل النفط الإيراني إلى أحد الموانئ الصينية. تُفرغ الناقلة حمولتها، لكن ثمن النفط لا يعود بالضرورة إلى طهران في صورة دولارات مودعة داخل حساب مصرفي إيراني.

قد يدفع المشتري الصيني باليوان، وتظل الأموال داخل شبكة من البنوك وشركات الصرافة والوسطاء والحسابات الخارجية. وفي مكان آخر، ربما على بُعد آلاف الكيلومترات، يحتاج مستورد إيراني إلى دفع ثمن دواء أو آلة أو مادة خام بعملة يقبلها المورد، بينما يبحث مواطن داخل طهران عن الدولار لحماية مدخراته من تراجع الريال.

فكيف يتحول برميل نفط دُفع ثمنه باليوان في الصين إلى قوة شرائية مرتبطة بالدولار داخل إيران؟

الإجابة لا تبدأ من بنك إيراني، ولا تمر عبر مسار مصرفي مباشر. فبعد أكثر من أربعة عقود من العقوبات، تحول الطريق الذي تسلكه الأموال الإيرانية إلى شبكة متداخلة من عائدات النفط واليوان وشركات الواجهة والصرافة والحوالات والعملات المستقرة والذهب.

وأعاد إجراء أمريكي مقترح ضد فروع بنك مصر في الإمارات هذه الشبكة إلى الواجهة، بعدما قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن تلك الفروع أصبحت إحدى القنوات التي استخدمتها شركات يُحتمل ارتباطها بمنظومة الظل المصرفي الإيرانية للوصول إلى الدولار.

ماذا اقترحت الخزانة الأمريكية ضد فروع بنك مصر؟

في 28 أغسطس/آب 2026، اقترحت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية «فينسن»، التابعة لوزارة الخزانة، قاعدة تستند إلى المادة 311 من قانون «باتريوت»، تهدف إلى منع المؤسسات المالية الأمريكية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة مصرفية لمصلحة فروع بنك مصر في الإمارات أو نيابة عنها.

كما يلزم المقترح البنوك الأمريكية باتخاذ خطوات لمنع استخدام حسابات المراسلة الخاصة ببنوك أجنبية في تمرير معاملات تتضمن تلك الفروع بصورة غير مباشرة.

ولا يمثل هذا الإجراء إدراجًا كاملًا لبنك مصر على قائمة العقوبات التابعة لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية «أوفاك»، كما لا يعني تجميد أصول البنك داخل مصر أو حظر عملياته الدولية كلها. إنه تدبير تنظيمي مقترح يستهدف تحديدًا وصول فروع البنك الخمسة في الإمارات إلى النظام المالي الأمريكي وخدمات المقاصة والمراسلة بالدولار. وما يزال المقترح خاضعًا لفترة مدتها 30 يومًا لتلقي التعليقات قبل إصدار قاعدة نهائية.

وتشمل الفروع التي حددتها الوثيقة الأمريكية فرعين في دبي، إلى جانب فروع أبوظبي والشارقة ورأس الخيمة، بينما استبعدت بصورة صريحة المركز الرئيسي لبنك مصر في القاهرة وجميع فروعه وعملياته الموجودة خارج الإمارات.

كيف دخلت فروع بنك مصر إلى الشبكة؟

بحسب وثيقة «فينسن»، تمتلك فروع بنك مصر في الإمارات ثلاثة حسابات مراسلة مباشرة مع مؤسسات مالية أمريكية، تستخدمها في الوصول إلى الدولار وتنفيذ معاملات الصرف وأسواق النقد.

وتقول الشبكة الأمريكية إنها حللت معلومات عامة وأخرى غير معلنة، وخلصت إلى أن 103 شركات يُحتمل أن تكون واجهات لشبكات الظل المصرفي الإيرانية استخدمت حسابات لدى فروع بنك مصر في الإمارات لتنفيذ معاملات بنحو 1.8 مليار دولار بين يناير/كانون الثاني 2024 ويونيو/حزيران 2026.

ومن هذا الإجمالي، نُفذت معاملات بنحو 520 مليون دولار خلال الاثني عشر شهرًا الأخيرة من الفترة التي شملها التحليل.

وقدمت الوثيقة عدة أمثلة، من بينها شركة «ألبا تريدينغ» المسجلة في الإمارات، التي قالت «فينسن» إن فروع البنك عالجت لها معاملات تتجاوز 32 مليون دولار خلال عامي 2024 و2025. وكانت وزارة الخزانة قد أدرجت الشركة على قوائم العقوبات في سبتمبر/أيلول 2025، متهمة إياها بتسهيل مشتريات لمصلحة وزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري.

كما أشارت إلى معاملات تتجاوز 29 مليون دولار لشركة «نبع الذكي لتجارة المواد الخام» بين مارس/آذار ويوليو/تموز 2025، إضافة إلى معاملة بأكثر من مليون دولار لشركة «ميداس أويل تريدينغ» في يناير/كانون الثاني من العام نفسه. وتقول السلطات الأمريكية إن هذه الشركات ارتبطت، بدرجات مختلفة، بشبكات صرافة أو جهات إيرانية خاضعة للعقوبات. 

لكن هذه التفاصيل تحتاج إلى قراءة دقيقة.

فالوثيقة الأمريكية تتحدث عن شركات «محتملة» الارتباط بشبكات الظل المصرفي، وتعتمد جزئيًا على معلومات غير متاحة للجمهور. كما أن إصدار المقترح لا يعادل حكمًا قضائيًا نهائيًا يثبت أن جميع المعاملات كانت غير مشروعة، ولا تقدم الوثيقة دليلًا علنيًا على أن إدارة بنك مصر في القاهرة أمرت بتسهيلها أو كانت على علم بطبيعة المستفيدين النهائيين منها.

وتقول «فينسن»، في المقابل، إن استخدام شركات واجهة بأسماء وأنشطة تجارية تبدو طبيعية يمكن أن يخفي المالك الحقيقي للأموال أو الجهة المستفيدة، وإن ضوابط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لدى الفروع لم تكن كافية، وفق تقييمها، لمنع وصول هذه التدفقات إلى حسابات المراسلة الأمريكية.

بنك مصر يراجع الاتهامات والإمارات تبدأ فحصًا عاجلًا

أكد بنك مصر أن ما أعلنته الخزانة الأمريكية ما يزال مقترحًا تنظيميًا يخضع لفترة رسمية لتلقي التعليقات قبل صدور القرار النهائي.

وأوضح البنك أنه يتعامل مع البيانات والتقديرات الواردة في الوثيقة بجدية، ويعتزم التواصل مع وزارة الخزانة للحصول على مزيد من المعلومات، واتخاذ الإجراءات القانونية والتنظيمية اللازمة وتقديم رده خلال المدة المحددة.

وشدد على التزام فروعه بالقوانين واللوائح والضوابط الرقابية، مؤكدًا أن الإجراء يقتصر على عملياته في الإمارات ولا يمتد إلى أعماله داخل مصر أو في الدول الأخرى، وأن الفروع الإماراتية تواصل تقديم خدماتها بصورة طبيعية. 

وفي الوقت نفسه، أعلن مصرف الإمارات المركزي إجراء فحص خاص وعاجل لفروع البنك، يتضمن مراجعة متعمقة للمعاملات خلال الفترة التي حددتها السلطات الأمريكية.

وقال المصرف إنه يتوقع من المؤسسات المرخصة في الإمارات احترام القوانين والضوابط المعمول بها في الدول التي تستخدم مؤسساتها المالية لإجراء المعاملات، وعدم تعريض النظام المالي الإماراتي لمخاطر السمعة.

وبعد ذلك، أكد البنكان المركزيان المصري والإماراتي استمرار التنسيق بينهما، وأن فروع بنك مصر في الإمارات تزاول أعمالها بصورة طبيعية وستتخذ الإجراءات المطلوبة خلال الفترة التنظيمية المحددة. 

ماذا يعني قطع حسابات المراسلة بالدولار؟

لا يحتاج البنك الموجود خارج الولايات المتحدة إلى افتتاح فرع أمريكي حتى ينفذ معاملة بالدولار. فغالبية البنوك الدولية تعتمد على حسابات مراسلة تحتفظ بها لدى بنوك أمريكية أو لدى مؤسسات أجنبية تمتلك بدورها وصولًا إلى النظام المالي الأمريكي.

عندما يحول عميل في الإمارات دولارات إلى شركة موجودة في دولة أخرى، قد تمر المعاملة في إحدى مراحلها عبر بنك مراسل داخل الولايات المتحدة، حتى إذا لم يكن المرسل أو المستفيد أمريكيًا.

لذلك، إذا أصبحت القاعدة المقترحة نهائية، فلن يقتصر أثرها على إغلاق الحسابات المباشرة لفروع بنك مصر في الإمارات. إذ سيتعين على البنوك الأمريكية أيضًا مراقبة حسابات المراسلة الخاصة بالمؤسسات الأجنبية، ومنع استخدامها في تمرير معاملات تتضمن تلك الفروع بصورة غير مباشرة.

وهذا يجعل تنفيذ تحويلات الدولار من خلال الفروع المستهدفة أكثر صعوبة، وقد يدفع العملاء إلى نقل معاملاتهم الدولارية إلى بنوك أخرى، أو استخدام الدرهم واليورو وعملات بديلة عندما تسمح طبيعة الصفقة بذلك.

ومع ذلك، لا يعني الإجراء توقف التداول بالدولار في الإمارات أو المنطقة، ولا يؤثر تلقائيًا في سيولة الدولار لدى البنوك المصرية. وقدّرت «فينسن» نفسها أن التأثير في منظومة المدفوعات والتسويات الدولية سيكون محدودًا، نظرًا إلى قدرة المتعاملين على استخدام قنوات بديلة، واستمرار الفروع في تنفيذ أعمال مشروعة بعملات أخرى ما دامت المؤسسات المالية الأمريكية غير مشاركة فيها. 

أما الخطر الأوسع، فيكمن في السمعة والامتثال. فالبنوك الدولية قد تتعامل بحذر أكبر مع أي تحويلات مرتبطة بالفروع أو بعملائها، وقد تطلب مستندات إضافية أو ترفض بعض المعاملات لتجنب التعرض للعقوبات. وهذا السلوك، المعروف مصرفيًا بتقليص المخاطر، قد يرفع تكلفة التحويل ويزيد الوقت اللازم لتنفيذه حتى في المعاملات المشروعة.

لكن لماذا تولي واشنطن كل هذه الأهمية لقناة مصرفية خارج إيران؟ هنا نعود إلى ناقلة النفط التي بدأت منها القصة.

كيف تصل إيران إلى الدولار رغم العقوبات؟

المحطة الأولى.. برميل النفط الإيراني

يظل النفط أهم مصادر العملات الأجنبية لإيران، لكن العقوبات غيّرت طريقة بيعه وتحصيل عائداته.

وتظهر تقديرات حديثة أن الصين تشتري الحصة الساحقة من النفط الإيراني المنقول بحرًا. وقدرت بيانات «كبلر» أن الصين اشترت أكثر من 80% من الشحنات الإيرانية خلال 2025، بينما قالت وزارة الخزانة الأمريكية في أبريل/نيسان 2026 إن حصتها تقترب من 90% من إجمالي صادرات إيران النفطية.

ويذهب جانب كبير من هذه الشحنات إلى المصافي الصينية المستقلة المعروفة باسم «مصافي إبريق الشاي»، وهي أقل تعرضًا من شركات الطاقة الحكومية الكبرى للأسواق والتمويل الأمريكيين، وأكثر استعدادًا لشراء الخام الإيراني المخفض رغم مخاطر العقوبات. 

ولا تبيع إيران نفطها بالشروط التي تختارها بالكامل. فالعقوبات تقلل عدد المشترين، وترفع تكاليف النقل والتأمين، وتفرض الحاجة إلى استخدام ناقلات وشركات ووسطاء مستعدين لتحمل المخاطر، إلى جانب تقديم خصومات لجذب المصافي الصينية.

وبعد إتمام الصفقة، لا تعود العائدات بالضرورة في صورة دولارات. وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن إيران تسوي جانبًا رئيسيًا من مبيعاتها النفطية باليوان الصيني، ثم تعتمد على شركات الصرافة وشبكات الوساطة لتحويل تلك العائدات إلى عملات أكثر قابلية للاستخدام في التجارة الدولية. 

وهكذا يخرج النفط من إيران، بينما تبقى القيمة المالية خارجه.

تصبح طهران صاحبة أرصدة باليوان أو حقوق مالية لدى شركات وحسابات خارجية، لكنها لا تستطيع استخدام اليوان في جميع وارداتها أو مدفوعاتها الدولية. فالنفط بيع، والقيمة موجودة، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحريكها.

المحطة الثانية.. شبكة الظل المصرفي

المحطة الثانية في الإجابة على سؤال كيف تصل إيران إلى الدولار رغم العقوبات 2026 ؟ تتمحور حول تظهر شركات الصرافة والوسطاء والشركات المسجلة خارج إيران.

لا تنتج هذه الشبكة دولارات جديدة، وإنما تنقل القيمة من مكان إلى آخر وتعيد تشكيل العملة التي تظهر بها. فقد تكون عائدات النفط موجودة باليوان داخل الصين، بينما يحتاج مستورد إيراني إلى دفع فاتورة لمورد في الإمارات أو تركيا أو دولة آسيوية أخرى.

بدلًا من تحويل الأموال من بنك صيني إلى بنك إيراني بصورة مباشرة، تتلقى شركة واجهة في إحدى الدول تعليمات بدفع مستحقات المورد. وفي المقابل، تُسوّى قيمة الصفقة باليوان في حساب آخر، أو يجري تعويض الشركة عبر شبكة صرافة ودفاتر وحسابات متبادلة.

وبذلك لا تحتاج الأموال إلى عبور الحدود في مسار واحد. فقد تُدفع القيمة في الصين، بينما يحصل المستفيد عليها في الإمارات أو سنغافورة أو هونغ كونغ بالدولار أو الدرهم أو اليورو.

وتصف وزارة الخزانة الأمريكية هذه المنظومة بأنها «شبكة ظل مصرفي»، لأنها تؤدي بعض وظائف البنوك الدولية، مثل تسوية المدفوعات وتحويل العملات ونقل الأرصدة، ولكن عبر شركات صرافة وواجهات تجارية وحسابات خارجية تخفي الجهة المستفيدة النهائية.

وفي تحليل منفصل، قالت «فينسن» إنها رصدت معاملات محتملة مرتبطة بالظل المصرفي الإيراني بنحو 9 مليارات دولار مرت عبر حسابات مراسلة أمريكية خلال 2024.

وشمل التحليل معاملات بنحو 5 مليارات دولار نفذتها شركات صورية، ونحو 4 مليارات تعاملت بها شركات نفط يُشتبه في كونها واجهات إيرانية، إضافة إلى 413 مليون دولار مرتبطة بشركات يحتمل استخدامها في مشتريات التكنولوجيا. وقد تتقاطع هذه التصنيفات، كما أن الأرقام تقتصر على الأنشطة التي استطاعت المؤسسات الأمريكية رصدها، ولا تمثل تقديرًا شاملًا لحجم الشبكة.

وهذه هي البيئة التي تضع فيها واشنطن معاملات فروع بنك مصر في الإمارات. فالاتهام الأمريكي لا يقول إن البنك أنشأ عائدات النفط الإيرانية، وإنما إنه وفر، عبر حسابات المراسلة بالدولار، قناة استخدمتها شركات تقول الخزانة إنها مرتبطة بتحويل تلك العائدات ونقلها.

الصادرات غير النفطية.. الركيزة الثانية

لا تعتمد إيران على النفط الخام وحده. فهي تصدر البتروكيماويات والغاز والصلب والمعادن والمنتجات الزراعية إلى الصين والعراق وتركيا والإمارات ودول أخرى.

وخلال السنة الإيرانية المنتهية في 20 مارس/آذار 2025، بلغت قيمة الصادرات المصنفة رسميًا باعتبارها غير نفطية نحو 57.8 مليار دولار، بزيادة 15.6% مقارنة بالعام السابق، بحسب بيانات إدارة الجمارك الإيرانية.

ويجب التعامل مع وصف «غير النفطية» بحذر، لأن هذه الصادرات شملت الغاز الطبيعي والبروبان والبيوتان والميثانول ومكثفات الغاز. أي أن جزءًا مهمًا منها يظل مرتبطًا بقطاع الطاقة والمواد الهيدروكربونية، حتى إذا لم يدخل تحت بند تصدير النفط الخام. 

وقد يحصل المصدر الإيراني على اليوان أو الدرهم أو الدينار العراقي أو الليرة التركية، ثم يستخدم هذه العملات في تمويل واردات أخرى أو يعرضها على مستوردين إيرانيين يحتاجون إلى تسوية مدفوعاتهم الخارجية.

وهكذا تتحول التجارة نفسها إلى آلية للمقاصة. تصدر شركة إيرانية سلعة إلى دولة، بينما تستورد شركة أخرى معدات من دولة مختلفة، وتتولى شبكات الوساطة تسوية القيمة بين الطرفين من دون انتقال الدولار مباشرة إلى حساب داخل إيران.

الدولار الذي يعبر الحدود

لا يعمل الاقتصاد الإيراني كله عبر التحويلات الإلكترونية. فداخل السوق المحلية ما يزال هناك طلب حقيقي على أوراق الدولار، سواء من التجار والمسافرين أو المواطنين الباحثين عن وسيلة لحفظ مدخراتهم.

ولهذا لعبت الحدود مع العراق وأفغانستان تاريخيًا دورًا في دخول الدولار النقدي من خلال التجارة وشركات الصرافة والحوالات ونقل الأموال عبر الحدود.

ويمتلك العراق وضعًا استثنائيًا، لأن جزءًا مهمًا من إيراداته النفطية الدولارية يمر عبر حساباته لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وخلال السنوات الماضية، شددت واشنطن القيود على مصارف عراقية عدة بسبب مخاوف من وصول الدولار إلى إيران أو جهات مرتبطة بها.

ولا يعني ذلك أن كل دولار يخرج من العراق يصل إلى إيران، لكنه يوضح كيف يمكن لأسواق الصرافة والفواتير التجارية والحوالات والنقل النقدي أن توفر مسارًا إقليميًا للعملة الأمريكية بعيدًا عن التحويل المباشر إلى بنك إيراني. 

وقد تكون هذه التدفقات أصغر كثيرًا من عائدات النفط، لكنها توفر شيئًا مختلفًا: أوراق الدولار المستخدمة مباشرة في السوق الموازية، حيث يتحدد سعر الصرف الذي يواجهه المواطن الإيراني.

العملات المستقرة.. دولار رقمي من دون بنك

مع تشديد الرقابة على البنوك والنقد، ظهر مسار أحدث يتمثل في العملات المستقرة، وفي مقدمتها «يو إس دي تي» التي تصدرها شركة «تيثر».

ولا تمثل «يو إس دي تي» ورقة نقدية أو وديعة داخل بنك أمريكي، لكنها مصممة للحفاظ على قيمة قريبة من الدولار، ويمكن نقلها عبر المحافظ الرقمية واستخدامها في التسويات أو بيعها مقابل الريال والعملات الأخرى.

وبحسب تحليل لشركة «إليبتيك»، حصلت شبكة محافظ نسبتها الشركة إلى البنك المركزي الإيراني على ما لا يقل عن 507 ملايين دولار من «يو إس دي تي». وأكدت الشركة أن الرقم يمثل حدًا أدنى، لأنه يقتصر على المحافظ التي استطاعت ربطها بالبنك بدرجة مرتفعة من الثقة.

وأشارت إلى أن جزءًا من العملات مر عبر منصة «نوبتكس» الإيرانية، مع وجود مؤشرات على استخدامها في دعم الريال أو تسوية معاملات خارج النظام المصرفي التقليدي. 

لكن هذا الطريق ليس محصنًا بالكامل.

فعلى خلاف «بيتكوين»، تصدر عملة «يو إس دي تي» عن شركة خاصة تستطيع تجميد الرموز الموجودة في عناوين محددة ومنع نقلها.

وفي أبريل/نيسان 2026، قالت «تشيناليسس» إن «تيثر» جمدت نحو 344 مليون دولار في عنوانين أضافهما مكتب مراقبة الأصول الأجنبية إلى بيانات البنك المركزي الإيراني. وفي يوليو/تموز، جُمد نحو 131 مليون دولار إضافية في أربعة عناوين أخرى، ليقترب إجمالي الأرصدة المجمدة من 475 مليون دولار، وفق تقديرات التحليل على البلوكشين. 

ولا ينبغي التعامل مع رقم 507 ملايين دولار ورقم 475 مليونًا باعتبارهما حسابًا واحدًا يمكن طرح أحدهما من الآخر، فهما صادران عن تحليلات مختلفة وقد يشملان مجموعات متداخلة أو مختلفة من المحافظ والفترات الزمنية.

كما أن تجميد الرصيد بواسطة الشركة المصدرة لا يعني بالضرورة انتقال ملكيته إلى الحكومة الأمريكية؛ بل يعني منع العنوان من تحريك العملات إلى حين اتخاذ إجراءات قانونية أخرى.

وهكذا نجحت إيران في تجاوز البنوك التقليدية، لكنها لم تتخلص تمامًا من قدرة الجهة المصدرة للأصل الرقمي على تعطيل الأموال.

الذهب.. أقدم وسائل نقل القيمة

قبل ظهور العملات المستقرة بسنوات، استخدمت إيران الذهب لتحويل الأرصدة المقيدة في الخارج إلى أصل قابل للنقل والتسييل.

وبرز هذا المسار في القضية الأمريكية المتعلقة ببنك «خلق» التركي. فوفق لائحة الاتهام التي قدمتها وزارة العدل الأمريكية، كانت عائدات مبيعات النفط والغاز الإيراني إلى تركيا تودع بالليرة في حسابات إيرانية، ثم يُستخدم جانب منها في شراء الذهب ونقله إلى إيران أو عبر دبي.

وقالت وزارة العدل إن هذه المنظومة استخدمت لنقل نحو 20 مليار دولار من الأموال الإيرانية المقيدة خلال الفترة الممتدة تقريبًا من 2012 إلى 2016. وتظل هذه الأرقام، بالنسبة إلى البنك نفسه، جزءًا من اتهامات قضائية أمريكية، وإن كانت محاكمة منفصلة قد انتهت بإدانة مسؤول مصرفي شارك في الشبكة. 

وتوضح تجربة الذهب الفكرة الأساسية نفسها: إذا تعذر نقل الدولار، يمكن تحويل القيمة إلى معدن، ثم نقل المعدن وبيعه في سوق أخرى مقابل عملة قابلة للاستخدام.

فالمال لا يحتاج دائمًا إلى عبور الحدود في صورة أوراق أو حوالة مصرفية؛ أحيانًا يعبرها في صورة ذهب.

من يتحمل تكلفة هذه المتاهة؟

قد يوحي استمرار تدفق الأموال بأن العقوبات فشلت تمامًا، لكن القدرة على تحريك القيمة لا تعني وصولها إلى إيران كاملة أو بسرعة.

في كل محطة يُقتطع جزء من العائد. فهناك خصم يقدمه بائع النفط للمشتري الذي يتحمل مخاطر العقوبات، وعمولات لشركات الصرافة والوسطاء، وتكاليف إضافية للنقل والتأمين وتغيير أعلام الناقلات وأوراق المنشأ.

وتوجد أيضًا مخاطر إغلاق الحسابات، أو إدراج الشركات على قوائم العقوبات، أو تعثر أحد الوسطاء، أو تجميد العملات المستقرة، أو الاستيلاء على شحنة أو أموال خلال إحدى مراحل التسوية.

كان الطريق التقليدي مباشرًا نسبيًا: بيع النفط، ثم استلام الدولار في حساب مصرفي يمكن استخدامه في التجارة والاستثمار.

أما الطريق الحالي، فقد يبدأ ببرميل يباع إلى مصفاة صينية، ثم يتحول إلى رصيد باليوان، ويمر عبر شركة واجهة أو صرافة، ويُستخدم في دفع فاتورة خارجية، أو يتحول إلى درهم أو عملة مستقرة أو ذهب.

تصل القيمة في النهاية، لكنها تصل أبطأ وأقل وأكثر عرضة للفقد والتجميد.

وبهذا المعنى، لا تمنع العقوبات جميع المعاملات الإيرانية، لكنها تفرض عليها ضريبة خفية تتمثل في الخصومات والعمولات والوقت والمخاطر.

الدولار غائب عن الصفقة لكنه حاضر في القيمة

نجحت إيران في تقليل استخدام الدولار في جانب من عمليات التسوية الخارجية، لكنها لم تتخلص منه بوصفه مرجعًا للتسعير ومخزنًا للقيمة.

فالنفط قد يباع باليوان، لكن قيمته تقارن بالدولار. والذهب قد يستخدم لنقل الأموال، لكنه يُسعّر عالميًا بالدولار. كما تحمل العملات المستقرة المستخدمة داخل الشبكة قيمة الدولار في اسمها ووظيفتها.

وفي الداخل، يظل سعر الدولار في السوق الحرة من أهم المؤشرات التي يراقبها الإيرانيون لتقييم قوة الريال واتجاه التضخم ومستقبل الأسعار.

وتجاوز الدولار مليوني ريال في السوق الموازية خلال أغسطس/آب 2026، بعدما كان قد تخطى مستوى مليون ريال للمرة الأولى في مارس/آذار 2025. ويعكس ذلك تدهورًا حادًا في القوة الشرائية للعملة المحلية، بالتزامن مع ارتفاع التضخم وزيادة الطلب على الدولار والذهب والأصول الأكثر استقرارًا. 

وهكذا لم تفصل العقوبات إيران عن الدولار بقدر ما غيّرت الطريق المؤدي إليه.

فبدلًا من أن يصل الدولار مباشرة إلى حساب مصرفي إيراني، أصبحت طهران تحصل على قيمة تبدأ بالنفط أو الصادرات، ثم ترتدي ثوب اليوان، وتمر عبر الصرافة وشركات الواجهة والحوالات والعملات الرقمية أو الذهب، قبل أن تعود في النهاية إلى المقياس نفسه: الدولار.

ومن هنا تتضح أهمية الإجراء الأمريكي المقترح ضد فروع بنك مصر في الإمارات.

فالقضية لا تتعلق ببنك واحد فقط، وإنما بمحاولة واشنطن إغلاق الممرات التي تنقل القيمة الإيرانية من عائدات محصلة خارج البلاد إلى دولارات ومدفوعات قابلة للاستخدام.

لكن نجاح هذه السياسة لا يقاس فقط بعدد الحسابات التي تُغلق. فكلما أُغلقت قناة، تحاول الشبكة فتح مسار آخر، وإن كان أكثر تكلفة وتعقيدًا.

وفي هذه المسافة بين إغلاق الطريق وفتح طريق بديل، تدور المواجهة الحقيقية بين العقوبات الأمريكية وكيف تصل إيران إلى الدولار رغم العقوبات؟

المصادر

واتسابتواصل معنا الآن تليجرام@FXCommission1