التدخل لدعم الين الياباني جاء في بداية الأسبوع بعدما تجاوز هبوط الدولار من قرابة 164 ينًا إلى منطقة 155–157 ينًا كونه تصحيحًا عاديًا. الحركة حملت بصمة تدخل رسمي واسع، قبل أن تؤكد وزارة المالية اليابانية شراء الين بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية يوم 31 يوليو 2026. في أول تدخل مشترك بين البلدين في سوق الين منذ عام 2011. الفارق أن التدخل آنذاك استهدف إضعاف العملة اليابانية بعد زلزال شرق اليابان، بينما جاءت العملية الأخيرة لوقف انهيارها أمام الدولار.
على الرغم من أن المكاسب التي حققها الين كانت قوية، لكنها لا تعني انتهاء الأزمة. ما حدث أقرب إلى ضربة مباغتة ضد المضاربين، نجحت في تغيير سرعة الهبوط وإعادة تسعير مخاطره. أما اتجاه العملة على المدى المتوسط، فما زال مرتبطًا بفارق الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة.
مخاوف التضخم وصفقات الفائدة وراء التدخل لدعم الين الياباني
التدخل لدعم الين الياباني بعد أن اقتراب الدولار من 164 ينًا كان إنذارًا واضحًا، لكن المستوى وحده لم يدفع طوكيو إلى التدخل. السلطات اليابانية عادة تهتم بسرعة الحركة واضطراب السوق أكثر من اهتمامها بسعر محدد للعملة. خلال يوليو، تحول تراجع الين إلى موجة يصعب احتواؤها بالتصريحات. اتسعت مراكز بيعه، وعادت صفقات تجارة الفائدة بقوة. حيث يقترض المستثمرون بالين منخفض التكلفة، ثم يحولون الأموال إلى الدولار للاستفادة من العوائد الأمريكية الأعلى. كلما استمر فارق الفائدة، بقيت هذه الصفقة جذابة واستمر الضغط على العملة اليابانية.
أبقى بنك اليابان سعر الفائدة عند 1% في اجتماعه يوم 31 يوليو، بينما حافظ الاحتياطي الفيدرالي على موقف أكثر تشددًا في مواجهة التضخم. وهو ما يعني أن الدولار يقدم عائدًا أعلى، وبنك اليابان ما زال بطيئًا في تشديد سياسته.
لكن ضعف الين لم يعد مريحًا للاقتصاد الياباني. صحيح أنه يدعم إيرادات الشركات المصدرة، إلا أنه يرفع في المقابل تكلفة استيراد الطاقة والغذاء والمواد الخام. ومع وصول هذه الزيادة إلى المستهلك، تتراجع القوة الشرائية للأسر ويضعف الإنفاق المحلي. هذا النوع من التضخم يضع بنك اليابان في موقف صعب. الأسعار ترتفع بسبب الواردات وضعف العملة، وليس نتيجة انتعاش قوي في الطلب. رفع الفائدة قد يساعد الين، لكنه قد يزيد ضغوط الاقتراض ويؤثر في اقتصاد لا يزال نموه هشًا.
دخلت السياسة المالية أيضًا في الحسابات. مخاوف المستثمرين من زيادة الإنفاق الحكومي وارتفاع الدين العام شجعت على بيع الين والسندات اليابانية معًا. عند هذه النقطة لم يعد الخطر محصورًا في سوق العملات، بل امتد إلى استقرار سوق الدين.
الولايات المتحدة وجدت مصلحة مباشرة في التحرك. الين شديد الضعف يمنح الصادرات اليابانية ميزة سعرية كبيرة، ويخفف أثر الرسوم الجمركية الأمريكية. كما أن اضطراب السندات اليابانية قد يدفع المؤسسات في طوكيو إلى بيع جزء من حيازاتها الضخمة من سندات الخزانة الأمريكية، ما يرفع العوائد وتكلفة التمويل داخل الولايات المتحدة.
آلية التدخل وأبعاد التنسيق بين البنوك المركزية
قرار التدخل لدعم الين الياباني في سوق الصرف تتخذه وزارة المالية اليابانية، بينما يتولى بنك اليابان تنفيذ العملية نيابة عنها. وهذه نقطة مهمة؛ لأن شراء الين في السوق لا يعني أن البنك المركزي غيّر سياسته النقدية أو رفع سعر الفائدة.
بدأت طوكيو التحرك بصورة منفردة مساء 30 يوليو، خلال التعاملات الأمريكية. هبط الدولار سريعًا من نحو 162.80 إلى 157.80 ينًا، وهي حركة يصعب تفسيرها بتداولات طبيعية. وأظهرت بيانات لاحقة لسوق النقد أن اليابان ربما أنفقت ما يصل إلى 58.97 مليار دولار لشراء عملتها.
في اليوم التالي، انضمت واشنطن إلى العملية. أكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما أن التحرك استهدف مواجهة «التقلبات المفرطة والتحركات غير المنظمة» في الين، وأضافت أن البلدين لن يترددا في التدخل المشترك مرة أخرى. بيان وزارة المالية اليابانية
حسب رويترز تشير تقديرات مستمدة من بيانات بنك اليابان إلى أن الجانب الياباني ربما أنفق نحو 36.58 مليار دولار خلال عملية الجمعة. الرقم ما زال تقديريًا، إلى أن تنشر وزارة المالية التفاصيل النهائية ضمن بياناتها الدورية. المفاجأة في طريقة التدخل لدعم الين الياباني من قبل االولايات المتحدة. بدلًا من بيع الدولار لشراء الين، باعت وزارة الخزانة الأمريكية اليورو واشترت العملة اليابانية عن طريق الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
اختيار اليورو لم يكن تفصيلًا فنيًا. واشنطن أرادت دعم الين دون فتح الباب أمام اعتقاد أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى إضعاف الدولار على نطاق واسع. انخفاض الدولار قد يرفع تكلفة الواردات ويضيف ضغطًا جديدًا على التضخم الأمريكي، وهو آخر ما يحتاجه الاحتياطي الفيدرالي في الوقت الحالي.
في هذا الشأن، وصف محللو إتش إس بي سي العملية بأنها خطوة شديدة الندرة وربما غير مسبوقة، فيما رأى باركليز أن استخدام اليورو أبقى التحرك موجهًا نحو الين وحده. ظهرت النتيجة فورًا في سعر اليورو، الذي هبط من نحو 187.4 إلى أقل من 180 ينًا.
أعلنت اليابان كذلك نيتها استخدام تسهيلات إعادة الشراء المخصصة للسلطات النقدية الأجنبية لدى الاحتياطي الفيدرالي. تسمح هذه الأداة لطوكيو بالحصول على سيولة دولارية بضمان سندات الخزانة الأمريكية، من دون الاضطرار إلى بيع كميات كبيرة منها في السوق ودفع العوائد إلى الارتفاع.
الأسواق تشهد ارتداد الين وإرباك مضاربي العملات
حقق التدخل لدعم الين الياباني أثره الأول بسرعة. تراجع الدولار بنحو 3% أمام الين خلال جلسة 30 يوليو، ثم هبط إلى 155.20 ينًا بعد تأكيد التنسيق بين طوكيو وواشنطن. وابتعد بذلك عن مستوى 164 ينًا، الأعلى منذ نحو أربعة عقود. ارتفع الين قرابة 4% خلال أسبوع، محققًا أفضل أداء أسبوعي له في عامين. لكن قوة الحركة لم تأتِ من حجم الأموال المستخدمة وحده. التوقيت كان جزءًا أساسيًا من الخطة.
اختارت طوكيو ساعات التداول الأمريكية، بينما كان المتعاملون ينتظرون انتهاء اجتماعي الاحتياطي الفيدرالي وبنك اليابان. دخول السلطات في ذلك التوقيت أجبر الصناديق التي باعت الين على إغلاق مراكزها سريعًا. ومع كل عملية شراء لتغطية مركز بيع، كان صعود العملة يكتسب زخمًا إضافيًا. مشاركة الولايات المتحدة غيرت حسابات المضاربين. التدخل الياباني المنفرد يمكن اختباره بعد عدة جلسات، خاصة إذا لم تتغير أسعار الفائدة. أما الدخول في مواجهة مع طوكيو وواشنطن معًا، فيعني احتمال ضخ سيولة أكبر وتكرار العمليات في أوقات يصعب توقعها.
مع ذلك، ظهرت حدود الصعود سريعًا. بعد وصول الدولار إلى 155.20 ينًا، عاد للتداول قرب 157 ينًا. السوق هدأ، لكنه لم يقتنع بعد بأن أسباب ضعف العملة انتهت.
هناك أثر آخر يتجاوز زوج الدولار مقابل الين. صعود العملة اليابانية بصورة حادة قد يدفع المستثمرين إلى تفكيك صفقات تجارة الفائدة، ما يفرض بيع جزء من الأسهم والسندات والأصول مرتفعة العائد التي جرى تمويلها بقروض مقومة بالين. لهذا يمكن أن تنتقل التقلبات من سوق العملات إلى الأسواق العالمية بسرعة.
هل التدخل كافٍ بمفرده أم أن القول الفصل لبنك اليابان؟
التدخل لدعم الين الياباني نجح كعملية ردع. أوقف اندفاع الدولار نحو مستويات أعلى، وأجبر البائعين على التراجع، ووضع خطر التدخل المشترك داخل كل صفقة جديدة ضد الين. على المدى القريب، قد يتحرك الدولار بين 155 و162 ينًا. عودة السعر إلى اختراق 160 بسرعة، أو اقترابه مجددًا من 164، سترفع احتمال دخول السلطات إلى السوق مرة أخرى. وقد رجح مسؤول سابق في بنك اليابان تكرار التحرك المشترك إذا استأنفت العملة هبوطها. تقديرات التدخل المقبل – رويترز
لكن التدخل لدعم الين الياباني لا يستطيع وحده إغلاق فجوة العائد بين الدولار والين. يمكنه إرباك المضاربين وإبطاء الاتجاه، لكنه لا يلغي المكاسب التي يحصل عليها المستثمر من الاحتفاظ بالأصول الأمريكية.
لهذا تتجه الأنظار إلى اجتماع بنك اليابان يومي 17 و18 سبتمبر. البنك أبقى الفائدة عند 1% بأغلبية ثمانية أعضاء، مقابل عضو واحد اقترح رفعها إلى 1.25% بسبب تصاعد مخاطر التضخم. كما شدد المحافظ كازو أويدا على مراقبة مخاطر ارتفاع الأسعار، ما جعل اجتماع سبتمبر مفتوحًا أمام احتمال زيادة الفائدة. بيان بنك اليابان
رفع الفائدة، أو تقديم مسار واضح نحو مزيد من التشديد، قد يمنح مكاسب الين أساسًا اقتصاديًا أقوى. أما استمرار التثبيت مع سياسة مالية توسعية، فقد يدفع المستثمرين إلى اختبار مستوى 160 من جديد.
يمكنك تداول الين مقابل العملات الرئيسية من خلال أفضل شركات الوساطة من خلال أفضل موقع للكاش باك فوركس في الشرق الأوسط.


